حسن حسن زاده آملى

59

الحجج البالغة على تجرد النفس الناطقة

وتفرّدوا بالنظر والبحث عن حقائق الأشياء ، انكشف لهم علم الغيب ، وعلموا بما يخفيه الناس في نفوسهم ، واطّلعوا على سرائر الخلق . فإذا كان هذا هكذا ، والنفس بعد مرتبطة بهذا البدن في هذا العالم المظلم الذي لولا نور الشمس لكان في غاية الظلمة ، فكيف إذا تجرّدت هذه النفس وفارقت البدن ، وصارت في عالم الحق الذي فيه نور الباري سبحانه فأمّا من كان غرضه في هذا العالم التلذذ بالمآكل والمشارب المستحيلة إلى الجيف ، وكان أيضا غرضه في لذة الجماع فلا سبيل لنفسه العقلية إلى معرفة هذه الأشياء الشريفة ، ولا يمكنها الوصول إلى التشبّه بالبارى سبحانه . ولقد صدق أفلاطون في هذا القياس وأصاب به البرهان الصحيح . أقول : صدر ما نقلناه من رسائل الكندي من أنّ النفس تمنع الغضب والشهوة عن فعلهما ، دليل على أنّ المانع غير الممنوع فحسب ولا يدلّ على تجرّد المانع عن المادة والماديات الطبيعية . والوجه الأعم مأخذا من ذلك ما قلنا في صدر العين الخامسة من كتابنا عيون مسائل النفس ، وشرحه : سرح العيون في شرح العيون من أنّ الدليل على مغايرتها له انّك لا تجعل طبيعتك حاكمة عقلك إلخ . وأما ما نقله عن أفلاطن الإلهى فهو صريح على تجرّدها العقلانى ، وكونها من صقع العالم الربوبي . والتمثيل بنور الشمس وما أفاد حوله كلام في غاية الكمال . ثمّ ما أفاد الكندي من أنّ جوهر النفس من جوهر الباري عزّ وجلّ كقياس ضياء الشمس من الشمس ، فله شأن ينبغي أن ينظر فيه نظر دقّة وتحقيق وتفكير . والمروى في روضة الجنان عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السّلام انّه قال : « يفصل نورنا من نور ربنا كشعاع الشمس من الشمس » . وفي الكافي بإسناده عن أبي بصير قال سمت أبا عبد الله عليه السّلام يقول : المؤمن أخ المؤمن كالجسد الواحد ، إن اشتكى شيئا منه وجد ألم ذلك في سائر جسده وأرواحهما من روح واحدة ، وانّ روح المؤمن لأشد اتصالا بروح اللّه من اتصال شعاع الشمس بها . ( ج 2 ، من المعرب ، ص 133 ) .